عبدربه منصور هادي يخطط لتفكيك النفوذ الإماراتي في اليمن

تحاول الحكومة اليمنية «الشرعية» إدخال الصين إلى الملعب السياسي في اليمنP ولذلك قدمت مؤخرًا عرضًا للصين يمنحها امتياز تشغيل وإدارة ميناء «عدن» الذي يعد محوريًا ضمن مبادرة الحزام والطريق الصينية التي ترفع شعار: «طريق واحد.. حزام واحد».
 
الرئيس اليمني «عبد ربه منصور هادي» يريد أن يجعل من وجود الصين في اليمن خيارًا استراتيجيًا لإحداث التوازن في بلاده، وهو يستهدف في نظر البعض ضرب النفوذ الإماراتي الذي تغلل في بسط سيطرته، خاصة على الموانئ اليمنية الاستراتيجية.
 
بكين من الحياد إلى دعم حكومة «هادي»
 
التزمت الصين لعدة سنوات بعد الثورة اليمنية عام 2011 موقفًا محايدًا؛ فظهرت بأنها تقف على مسافة واحدة من الأطراف المتنازعة في اليمن، مؤكدة أنها تدعم حلًّا سلميًّا يستند إلى قرار مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة، ومبادرات مجلس التعاون الخليجي، ونتائج مؤتمر الحوار الوطني، واتفاقية السلم والشراكة الوطنية، ولذلك لم تغلق الصين سفارتها في صنعاء بعد سيطرة الحوثيين على العاصمة، أسوة بالعديد من الدول الغربية والولايات المتحدة، لكنها أغلقتها بشكل مؤقت في أبريل (نيسان) عام 2015.
 
ومن أجل الحفاظ على علاقة المسافة الواحدة من أطراف الأزمة اليمنية، والتأكيد على أهمية الحل السلمي، صوَّتت الصين لصالح قرار الأمم المتحدة رقم (2216) بشأن اليمن، والذي يحظر بيع الأسلحة للحوثيين، وكذلك حثت بشكل علني على وقف الضربات الجوية للتحالف الدولي بقيادة السعودية.
 
وفيما رأي المراقبون أن هذا الموقف نابع من تعمَّد بكين إخفاء ميولها السياسية أملًا في أن تؤدي دور وسيط السلام في الأزمة اليمنية، «يشير إصرارها على وقف التدخل العسكري بالدرجة الأولى أيضًا إلى ميل ضمني لوجهة نظر كلٍّ من إيران وروسيا»، كما يقول المختص في الشأن السياسي والدراسات المسحية في شرق آسيا «رايموند لي».
 
ويضيف في تقريره المعنون بـ«الصين والحرب في اليمن: عدم الانحياز والحل السلمي»: «فمن جهة ستستمر الصين في الوقوف إلى جانب كل من روسيا وإيران في موازنة الولايات المتحدة وحلفائها في الشرق الأوسط، ومن جهة ثانية فإن الصين لا تريد أن ترى اليمن مجزَّأ ومضطربًا؛ لأن ذلك يمكن أن يحوله إلى عامل تفجير في الشرق الأوسط».
 
لم يستمر هذا الحال؛ فقد اتخذت بكين خطوة نوعية حين أعلنت دعمها لحكومة هادي في اليمن، ورفضت الحكومة التي شكلها الحوثيون، وأنصار الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، التي عرفت باسم «حكومة الإنقاذ» بصنعاء، وقالت وزارة الخارجية الصينية: «لا نوافق على قيام أي جانب في اليمن بأي تصرفات منفردة تؤدي إلى تعقيد الوضع، ونرى أن هذا غير مفيد للتوصل لحل سياسي للقضية اليمنية».
 
وأخذت الحكومة الصينية تعلن بين الفنية والأخرى عن إرسالها مساعدات إغاثية لليمنيين، إذ تدعم الصين جهود الإغاثة الإنسانية في اليمن بـ150 مليون يوان صيني (22.7 مليون دولار)، إضافة إلى تمويل برنامج الأغذية العالمي، ومنظمة الصحة العالمية بمبلغ 7 ملايين دولار، وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أقدمت الصين على إعفاء اليمن من الديون التي تزيد على 738 مليون يوان صيني (111.8 مليون دولار).
 
عدة مصالح صينية في اليمن
 
منذ خمسينات القرن الماضي نفذت الصين عدة مشروعات تنموية في اليمن، لكن أبرز ما وقع بعد الثورة اليمنية في يناير (كانون الثاني) 2011، هو توقيع اليمن في منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2013 على اتفاقية توسعة وتعميق محطة الحاويات بميناء عدن، بين مؤسسة موانئ خليج عدن والشركة الصينية لهندسة الموانئ المحدودة، وذلك حين زار الرئيس اليمني «عبد ربه منصور هادي» العاصمة الصينية (بكين).
 
يتضمن هذا المشروع – الذي لم ينفذ بسبب الظروف الأمنية في اليمن، وقدرت تكلفته بنحو 507 ملايين دولار – «تمويل الصين لبناء رصيف إضافي بطول ألف متر، وعمق 18 مترًا، وتعميق وتوسعة القناة الملاحية الخارجية بطول 7400 متر وعرض 250 مترًا وعمق 18 مترًا، إضافة الى القناة الملاحية الداخلية بطول 3800 مترًا، وعرض 230 مترًا، وعمق 18 مترًا»، لكن تنفذ الآن شركة «هواوي» الصينية مشروع إنشاء بوابة دولية للاتصالات والإنترنت في عدن، وذلك ضمن مشروع الكابل البحري الدولي الذي يمر بـعدن، حيث تريد الحكومة اليمنية توفير خط إنترنت جديد ينهي هيمنة حكومة الحوثيين على الإنترنت في العاصمة صنعاء.
 
وتدفع الصين عدة مصالح للاهتمام باليمن، منها حرص بكين على تأمين واردات النفط الخام، فقد أبدت الصين رغبة في الاستثمار باليمن لتوسيع ميناء عدن جنوبي اليمن؛ لضمان موطئ قدم لها في أحد أكثر محطات بواخر تجارتها حساسية، غير أنها لم تتمكن بعد من ذلك؛ نتيجة لاضطراب الأحداث في اليمن.
 
كما تعني الصين بتقوية وتوسعة استثماراتها الاقتصادية المحدودة في اليمن، مع وجود اعتبارات سياسية لها، كالتنافس مع القوى العظمى، وتعني الصين بمراقبة ما تعتبره نموًا لـ«الإرهاب» داخل اليمن؛ فهي ترى في الفوضى الأمنية في اليمن، وعدم سيطرة حكومة الرئيس «هادي» على الأوضاع، توفير إمكانية لترعرع جماعات إرهابية يمكن أن تضر بمصالح اليمن، لذا فمن مصلحتها احتواء نمو «التشدد الإسلامي» في اليمن أسوة بكل دول الشرق الأوسط، لكن لا بد من الإشارة إلى أن الصين تبقى حذرة في الظهور كمحاربة للإرهاب في دول العالم الإسلامي، وهي تفضل أن تحتفظ باستقلالها في صياغة سياساتها عن «محاربة الإرهاب»، دون أن تقع في فخ الصدام بين الغرب والعالم الإسلامي.
 
هل تسمح الإمارات للصين بتسلم ميناء «عدن»؟
 
قدم الرئيس اليمني «عبد ربه منصور هادي» في الثالث عشر من مارس (آذار) الحالي عرضًا للصين بإدارة واستثمار ميناء عدن، وفيما يظهر أن هدفًا اقتصاديًا وراء العرض، يتمثل في إنعاش الميناء بغية تحقيق أرباح كبيرة لخزينة اليمن، يقرأ آخرون هدفًا سياسيًا يتمثل في توجيه «هادي» ضربة للإمارات التي تعمل على إضعاف سلطته في جنوبي اليمن.
 
 
وتعمل الإمارات – التي تريد ميناء دبي القبلة الوحيدة للسفن الدولية – على إضعاف ميناء عدن، منذ إبرام شركة دبي اتفاقًا مع الرئيس الراحل «علي عبد الله صالح» عام 2008 لمدة 25 عامًا مقابل حصول الأخير على 600 مليون دولار أمريكي كحصة فقط من التوقيع، وهي مستمرة في سياساتها بالرغم من إلغاء هذا الاتفاق في أغسطس (آب) عام 2012؛ إذ أخضعت الإمارات الحكومة اليمنية لها، فسلمت الميناء لشركة موانئ دبي.
 
 وعملت الإمارات على تعطيل المفاوضات مع العديد من الشركات العالمية لتطوير الميناء وتشغيل المنطقة الحرة، وتعمّدت المماطلة في تطويره، فيقول مسؤول يمني رفض الكشف عن هويته لموقع «البديل»: إن «الإمارات أسهمت في تعطيل المفاوضات مع العديد من الشركات العالمية لتطوير الميناء وتشغيل المنطقة الحرة، إلى أن خضعت الحكومة، وسلمت الأمر لشركة موانئ دبي، التي تعمّدت المماطلة في تطوير الميناء والمنطقة الحرة».
 
ويضيف المسؤول: «بعد فوزها بالعقد، سعت الإمارات لتدمير الميناء اليمني، فلا شراء لقطع الغيار التي يحتاجها الميناء، كما اختفت أجهزة الاتصال اللاسلكية من الميناء، ورفعت تعريفة الدخول 80% كتنفير واضحٍ للسفن، وباعت معدات الميناء الصالحة للاستخدام باعتبارها خردة، وبعد أن كان الميناء يستوعب 500 ألف حاوية في العام الواحد – وكان من المفترض أن يرتفع استيعابه إلى مليون حاوية خلال مدة محددة – انخفض العدد، وفي عام 2011 لم يستوعب الميناء سوى 130 ألف حاوية فقط».
 
في المحصلة، الإمارات مصرة على ألا يستحوذ ميناء عدن في المستقبل على النشاط التجاري والاقتصادي بالقرب من أهم الممرات البحرية في العالم (باب المندب)، وهي تعمل على إغلاق الباب أمام تطوير الميناء من جديد، وعلى حرمان الحكومة اليمنية من العوائد الاقتصادية التي يمكن أن تشكل رافدًا اقتصاديًا لها، فقد عملت على تعطيل الميناء وسحب رافعاته وبقية معداته، وقد قال قبل أيام رئيس النقابة العمالية لميناء عدن «سعيد المعاري»: إن «هناك إجراءات متكررة تسبب تأخير دخول السفن؛ مما يهدد استمرار النشاط الملاحي في الميناء، وهناك تأخير متعمد للبواخر المحملة بحاويات تحمل بضائع متنوعة تابعة لشركات تجاري»، ويضيف «المعاري»: «الإجراءات المعقدة التي يفرضها التحالف العربي على دخول السفن إلى الميناء والتأخير المتعمد يهددان بإيقاف خطوط الملاحة، الميناء في حالة احتضار».
 
وبالرغم من التقليل من جدية عرض هادي، وتوقع بقائه في الإطار النظري، يرى مراقبون أنه في حال تم الاتفاق، فإن الإمارات ستعمل على تعطيل تسليم الميناء للجانب الصيني؛ وذلك «لأنها تعتبر سيطرتها على الموانئ استحقاقًا لها مقابل تحمّلها كلفة عالية في عمليات التحالف في اليمن»، حسب تقرير صحيفة «الأخبار» اللبنانية، والذي أضاف «ليس بإمكان الرئيس المنتهية ولايته الإقدام على خطوة كهذه دون رضا الجانب الأمريكي، الذي لن يروقه حتمًا استقدام أهم منافس تجاري له في العالم، أي الصين، والسماح بمنحه موطئ قدم في اليمن».
 
ويعود التنافس الإماراتي الصيني على ميناء عدن إلى العام 2013، حيث قدمت شركة صينية قرضًا بـ507 ملايين دولار لتطويره وفقًا للمعايير العالمية، لكن الصين جمدت الأمر؛ بسبب الظروف الأمنية كما أسلفنا.
 
الإمارات تصر على تعطيل موانئ اليمن
 
تواصل الإمارات، الحليف الرئيس في التحالف الدولي باليمن الذي انطلق في مارس 2015 استنزاف الحكومة اليمنية الشرعية، وهي تعمل الآن على إيجاد كيان جديد موازٍ لهذه الحكومة في شمال اليمن، بعد أن أوجدت مجموعات مسلحة تابعة لها في جنوب اليمن.
 
وتهدف الإمارات جراء خلق هذه الميليشيات الشمالية إلى تكرار سيناريو الانقلاب الذي قادته المجموعات الموالية لها في عدن نهاية يناير الماضي، في محاولة لتحويل الجنوب إلى منطقة توظفها كيفما تريد الإمارات، فهي تطمح لخلق واقع جيوسياسي جديد، يضمن خلق إمبراطورية إقليمية لها، فتشغل فيه الإمارات موانئ اليمن حسب مصالحها، وكانت مصادر يمنية أكدت في فبراير (شباط) الماضي على أن الإمارات وضعت يدها على ثلاثة موانئ في محافظة شبوة على البحر العربي (جنوب اليمن)، عبر قوات محلية موالية لها، وهي تعمل بشكل واضح على عرقلة جهود تطوير الموانئ اليمني، كمشروع ميناء «قنا» التاريخي، فبينما تريد الحكومة اليمينة تحويله لميناء تجاري، والاستفادة الاقتصادية منه، وتعمل الإمارات على إبقاء الميناء كمنفذ للتهريب؛ حيث ازدهرت فيه تجارة تهريب الوقود والبشر عبر الميناء اليمني، بعد سيطرة قوات موالية للإمارات عليه، وتعد منطقة «شبوة» من أهم محافظات اليمن الغنية بالنفط، وهي خط الدفاع الأول عن أكبر مشروع اقتصادي أمام الحوثيين، وهو مشروع الغاز وميناء بلحاف النفطي.
 
يذكر أن «المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا»، أكدت في مارس الحالي أن الامارات تقوم بشن هجمات عشوائية ضد المدنيين اليمنيين، وأنها تدير سجونًا سرية باليمن يتعرض فيها المئات من السجناء لسوء معاملة وتعذيب وحشي، وذكرت المؤسسة أن «دولة الإمارات استخدمت في تلك الحرب القنابل العنقودية المحظورة، وقامت بتجنيد مرتزقة لتنفيذ عمليات تعذيب وإعدام ميدانية»، وهو الأمر الذي أكدت عليه في السابق وكالة «أسوشيتد برس» في تحقيق لها أظهر وجود شبكة سجون سرية في اليمن تديرها الإمارات، وصل التعذيب فيها لحد «شواء السجين على النار»، بناء على توثيق حوادث لاختفاء مئات الأشخاص في هذه السجون السرية بعد اعتقالهم بشكل تعسفي في إطار ملاحقة أفراد تنظيم «القاعدة»، وتوجد هذه السجون داخل قواعد عسكرية ومطارات وموانئ يمنية عدة، بل حتى في مبان سكنية، وقد كشفت الوكالة عن 18 سجنًا سريًا في جنوب اليمن تديره الإمارات أو اليمنيون الموالون لها.
تحرير المقال
عن الكاتب
مقالات مشابهة

أو يمكنكم الإتصال بنا من خلال النموذج التالي

الاسم بريد إلكتروني* رسالة*

التعليقات

تعليقات الموقع